الديمقراطية التوافقية

حسين درويش العادلي

 يفسر "آرنت ليبهارت" "الديمقراطية التوافقية"، بالنظام الذي تتعدد فيه مصادر السلطة. وجاءت وصفته هذه للمجتمعات التعددية، التي تعيش الانقسامات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الثقافية، وما يقوم عليها من مؤسسات ومجموعات مصالح متناشزة.

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بدأت مساعي بناء التوافق والنهوض بمفهوم "الديمقراطية التوافقية"، بسبب فشل إنموذج الدولة القومية في احتواء التنوع والتعدد العرقي والطائفي والثقافي، وكانت النمسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا وكندا.. أمثلة على الاضطراب البنيوي لوحدة الدولة،.. من هنا انبرى بعض المفكرين السياسيين البارزين كآرنت ليبهارت، وغيرهارد لمبروخ، لوضع الأطر النظرية للديمقراطية التوافقية كحل لمشكل التنوع.

 

مقومات الديمقراطية التوافقية

   منذ أن قال بها (آريند ليبهارت) لم تنجح أية تجربة ديمقراطية توافقية عدا التجارب السويسرية والنمساوية والهولندية والبلجيكية والكندية. وبرأيي، أنَّ نجاحها المحدود وفشلها الواضح يعود إلى أسباب عدة:

   الأول: إنَّ مجال اشتغال الديمقراطية التوافقية الدولة كإدارة وليس الدولة كبناء وتأسيس، ويدخل في صلب الإدارة هنا الإدارة السياسية أي الحكم. فلا يمكن للتوافقات الإرضائية المتسلحة بالفيتو أن تنتج دولة، بل دويلات في أحسن الفروض، تتنازع السيادة والموارد، لتنقسم وتتجزأ فيما بعد، أو لتكابد مأزق التعايش الهش.

   ثانياً: تتطلب الديمقراطية التوافقية وحدة المجتمع السياسي المشكّل للدولة، فإذا انتفت وحدة المجتمع السياسي فستنهدم الدولة، وعماد المجتمع السياسي المواطنة. ولا معنى هنا للتنوع العرقي والطائفي والثقافي، فهو تنوع مجتمعي طبيعي لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات، ولتكوين الدولة إنما نحتاج إلى أمة سياسية موحدة برغبة العيش والمصير المشترك ضمن كيان سياسي موحد. إنَّ الديمقراطية التوافقية تضعف المواطنة من خلال إعطائها الاعتبار لثقل الطائفة أو القومية، وهو ما يصيب وحدة المجتمع السياسي بمقتل.

   ثالثاً: تتطلب الديمقراطية التوافقية مجتمعاً مدنياً عالي الأداء في الوعي والثقافة والمدنية، فهي لا تركب على المجتمعات البدائية أو التقليدية في التشكيل والتمحور. ولكي تنتج الديمقراطية التوافقية دولة راسخة عليها اعتماد مجتمع مدني متطور، وإلاّ ستكون ديمقراطية طوائف وأعراق.

   رابعاً: تتطلب الديمقراطية التوافقية بنى حزبية مدنية مؤهلة لإدارة الخلاف وتحقيق مصالح المواطنين، والبنى الحزبية التقليدية بنى هويات فرعية لا تشتغل إلاّ على وفق الولاء والمصلحة العرقية والطائفية والجهوية الضيقة. والديمقراطية التوافقية أفضل الصيغ لانتعاش هكذا بنى حزبية تقليدية، وهي أمثل طريقة تمكنها من ابتلاع المكونات المجتمعية، ومن ثم ابتلاع  السلطة وابتلاع الدولة من خلال المحاصصات السياسية التي تنتجها الديمقراطية التوافقية.

   نعم، قد تستطيع القوى والأحزاب الممثلة للأعراق والطوائف تكوين "الكارتلات الحاكمة" فتوطد الوحدة السياسية للدولة بما يضمن الوحدة الترابية للبلاد، إلاّ أنها وحدة هشة في نهاية المطاف، كونها تعزز الاستقلالية الفئوية، وتنمي حس الانفصال.

 

   خامساً: تتطلب الديمقراطية التوافقية بنية غير صلبة للدولة، فإذا اعتمد مبدأ الدولة الصلبة فستنهار الدولة على يد الديمقراطية التوافقية ذاتها،.. ونجاحها في دول كسويسرا والنمسا وهولندا راجع إلى مرونة كيانات هذه الدول ذاتها.

 

   سادساً: يتطلب نجاح الديمقراطية التوافقية بنى اقتصادية مستقرة وناجحة، فالنمو والرخاء الاقتصاديين عاملان جوهريان للاستقرار السياسي والتضامن الوطني، ولا يمكن إدراك الوحدة المجتمعية والسياسية مع ضعف أو فشل الدولة اقتصادياً.

 

   سابعاً: مواءمة الحاضن الإقليمي، بمعنى مساعدته الذاتية والموضوعية على قبول وتقبل أنموذج الدولة التوافقية، ومساعدتها في التماسك،.. ولم تنجح نماذج الدول الأوربية التوافقية إلا في وسط الاتحاد الأوربي المتماهي في الحدود والتشريعات والمصالح الكلية لمجموع دوله الأعضاء.

 

   يمكن للديمقراطية التوافقية أن تنجح بتأسيس دولة موحدة، إلاّ أنَّ نجاحها مشروط بتوافر مقوماتها البنيوية،.. وإلاّ فإنها ستقود إلى تفكك الدولة، أو تقود إلى خلق صراعات غير متناهية بسبب الجمود السياسي الذي توفره التوازنات الفيتوية.